صديق الحسيني القنوجي البخاري
19
فتح البيان في مقاصد القرآن
« العسل أحلى من الخل » . قال ابن مسعود : لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار . وقال الأزهري : القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن اللّه تعالى قال : وَأَحْسَنُ مَقِيلًا والجنة لا نوم فيها . وقال ابن عباس : الحساب في ذلك اليوم في أوله ، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى الغروب . والآية أشارت إلى أن كلّا من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا ، أي : استقروا في وقت القيلولة ، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة ، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلق قد انقضى في هذا الوقت . وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وصف سبحانه ههنا بعض حوادث يوم القيامة ، والتشقق التفتح ، قرىء بتخفيف الشين وأصله تشقق ، وقرىء مشددا على الإدغام ، والمعنى أنها تتشقق عن الغمام لأن الباء وعن ، تتعاقبان كما تقول رميت بالقوس . قال أبو علي الفارسي : تشقق السماء وعليها غمام كما تقول : ركب الأمير بسلاحه . أي : وعليه سلاحه ، وخرج بثيابه ، أي : وعليه ثيابه ، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق ، أبيض ، مثل الضبابة . ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم ، وقيل : إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس ، والمعنى : أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء . وقيل : إنها تشقق لنزول الملائكة ، كما قال سبحانه . وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا وقيل : الباء للسببية يعني بسبب طلوع الغمام منها ، كأنه الذي يتشقق به السماء ، وقيل : أي متلبسة بالغمام ، وقرىء ننزل مخففا من الإنزال ، مضارع أنزل ، وقرىء نزل مشددا ماضيا مبنيا للمفعول ، وقرىء مبنيا للفاعل ، وفاعله اللّه سبحانه ، والملائكة منصوبة على المفعولية . وقرىء أنزل ، وقرىء تنزلت الملائكة ، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلا ، يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب ، ونمط عجيب . قال أهل العلم : هذا تنزيل رضا ورحمة ، لا تنزيل سخط وعذاب . وعن ابن عباس قال في الآية : يجمع اللّه الخلق يوم القيامة ، في صعيد واحد ، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير ، وجميع الخلق فتنشق السماء الدنيا ، فينزل أهلها ، وهم أكثر ممن في الأرض ، من الجن والإنس ، وجميع الخلق ، فيحيطون بالإنس والجن وجميع الخلق . فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا ، ثم تنشق السماء الثانية ، وذكر مثل ذلك ، ثم كذلك في كل سماء ، إلى السماء السابعة ، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها ، ثم ينزل ربنا في ظل من الغمام وحوله الكروبيون ، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن ، وجميع الخلق ، لهم